جواد الفجر
04-08-2006, 05:43 AM
لمحة جغرافية تاريخية عن منطقة القلمون
لا نكاد نجد في سورية منطقة أو إقليماً، صغير المساحة نسبياً وواضح الحدود الطبيعية، احتفظ عبر العصور بطابع تاريخي ثقافي مستمد من بيئته الطبيعية ومن الأحداث التي دارت حوله، مثل المنطقة المسماة "القلمون"
يعرف القلمون تحديداً بأنه الكتلة التضاريسية الناهضة الواقعة بين حوضة دمشق وهضبة حمص، والمؤلفـة من مجموعـة الجبـال والهضـاب والتـلال ذات الاتجاه "جنوب غرب/ شمال شرق" الملاصقة لجبال لبنان الشرقية، من جهة، ولبادية الشام من الجهة المقابلة، لذا فهي تتدرج انخفاضاً بهضابها وسلاسل جبالها من سفوح الجهة الأولى عند مستوى نحو 1700م إلى مستوى نحو 800م في الجهة الثانية، باستثناء بعض القمم التي تبلغ ذروتها في جبل ديرعطية، 1850م فوق سطح البحر.
ومن الجدير ذكره أن جبال لبنان الشرقية تلعب دوراً كبيراً في حياة سكان القلمون فهي بقممها العالية التي تزيد أحياناً عن 2000م، وإن كانت تحجب قسماً من الأمطار عن القلمون، إلا أنها تستقطب من السحب العابرة بالرطوبة الثلوج التي تمدّ القلمون عند ذوبانها في الربيع والصيف بالقسم الأكبر من المياه. كما أنها أدت في الماضي إلى تكوين غابةٍ من الأشجار الصنوبرية وغير الصنوبرية التي كانت مصدراً للاحتطاب من قبل السكان وقد قطع معظمها.
لمنطقة القلمون تاريخ خاص، قام على جغرافيته الخاصة، وهو في جوهره تاريخ ثقافي اجتماعي، فكرياً ومادياً وروحياً، أي أنه لم يكن تاريخ حروب وفتن ومنازعات، وعهود تأتي بسلطة وتذهب بأخرى. بل كان تاريخاً هادئاً، جرت تطوراته ببطء وسلاسة وسلام، وصلات مستمرة بالغير. وهذا مؤشر على الاستمرار وعدم الانقطاع، أو الانقلاب والعودة، وفيه ما فيه من دلالات الصبر والجلد والمثابرة في تحقيق الأهداف والغايات المرسومة.
كان الطابع التاريخي الثقافي الآرامي- السرياني هو المميز قديماً لمنطقة القلمون في مجالات اللغة والتواصل مع الآخرين، وفي مجالات العمران وإقامة القرى وأنماط البناء، وفي فنون استنباط المياه وجرها للري والزراعة، وفي نماذج الصناعات المحلية. ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن العهود التاريخية المختلفة للمنطقة ورثت أشياء كثيرة وثمينة من عصور ما قبل التاريخ في مجالات الثقافة المادية والفكرية، وإن سميت عصوراً حجرية. فإنسان ما قبل التاريخ في محيط يبرود مثلاً أبدع ثقافة حجرية متميزة قبل ثلاثمائة ألف عام، كأدوات ومواد ونماذج. ولا تزال هذه المدينة تفيد من تلك الفترة وما تلاها من عهود تاريخية في مجالات التطوير الصناعي حتى اليوم وكذلك في مجال العمران إذ كانت مثالاً يحتذى في القلمون.
وبعد الفتح العربي الإسلامي وانتشاره السريع لم يدخل الإسلام ومعه اللغة العربية إلى القلمون إلا متأخراً. إذ أن النشاطات والتحركات الكبرى للناس من قوافل وهجرات وجيوش كانت في أغلب الأحوال تتجنب المرور بالقلمون لقساوة شروطه الطبيعية بارتفاع سطحه وكثرة تضاريسه وشدة برودة شتاءه وكثرة منحدرات سيوله، فقد كانت تتجنب تلك الأخطار بعبور الطريقين الرئيسين من حوله، طريق الخانات الشهير شرقاً وطريق البقاع غرباً.
بدأ تعريب القلمون في مطلع القرن الثالث عشر في المناطق المنفتحة على البادية في الشمال والشرق وفي الأجزاء المحاذية للبقاع غرباً، وكانت ديرعطية رائدة في هذا المجال بسبب موقعها الجغرافي المذكور وانفتاحها على المنطقة التدمرية وحوض العاصي عبر وادي المجر وبسبب صلتها بالبقاع عبر وادي الزمراني.
وهكذا ظل القلمون جزيرة مسيحية آرامية- سريانية حتى نهاية فترة الحروب الصليبية، وكان عمادها الثقافي والروحي والاجتماعي، مؤسسات الأديرة العديدة التي أنشئت في المنطقة في العهد البيزنطي، وأضفت على اللغة الآرامية- السريانية صفة القداسة، كلغة عبادة في الأديرة والكنائس، وظلت رواسب تلك اللغة مستمرة في بعض القرى إلى اليوم.
لم توجد في القلمون مدن كبيرة بسبب الواقع الجبلي، بل كانت هناك قرى كبيرة تحولت إلى مدن صغيرة نسبياً بازدياد السكان وتكاثرهم، وأهمها في الجزء الشمالي التابع لحوض العاصي يبرود والنبك وديرعطية وقارة، وفي الجزء الجنوبي من القلمون القطيفة وجيرود حيث تنتهي مجاري مياههما إلى أحواض مغلقة بعضها ممالح.
ويلاحظ أن أهم المراكز البشرية في هذه المنطقة يقع في الهضاب الممتدة بين سلاسل القلمون الثلاث، حيث يمكن أن تظهر الينابيع، والحصول على مياه جوفية ساعد في إقامة نظام للري يعرف بنظام ري الأودية، حيث يمكن أن تظهر المياه الجوفية على سطح الأرض في اتجاه المصب عبر ما يسمى سرابات (جمع سرب) أو فجارات، فتروى بها الأراضي المنخفضة والسفوح المجاورة لها التي أصبحت واحات غنية بالأشجار المثمرة والحبوب، ثم أدخلت عليها زراعة خضار مستحدثة ذات أهمية كالبطاطا.
وفي العصور الحديثة اشتد انفتاح القلمون على ما حوله، في جميع الميادين، وأهمها النقل والمواصلات بين شمال بلاد الشام وجنوبها بسبب موقعه المتوسط. غير أن الميدان الثقافي ظل في المقدمة، فافتتحت المدارس التبشيرية التي كانت عنايتها باللغة العربية تتجاوز كثيراً عناية المدارس العثمانية القليلة العدد بها، إذ كانت تدرس باللغة التركية، وكانت عنايتها باللغة العربية ضعيفة، كما لعب دوراً في ذلك ملاصقة القلمون للبنان، وفترة حكم إبراهيم باشا في سورية في النصف الأول من القرن التاسع عشر.
وأسهم القلمون في النهضة العلمية واليقظة القومية في العهد العثماني، وكانت بعض شخصياته على صلة بعبد الحميد الزهراوي، رائد تلك اليقظة. وفي ديرعطية نفسها احتفل منذ بضع سنوات (1998م) بمرور مائة عام على تأسيس مدرسة الشيخ عبد القادر القصاب، الأستاذ الأزهري، الذي عاد إلى بلدته ديرعطية خصيصاً لإنشاء مدرسة جامعية المنهج على النمط الأزهري، ولقي مساعدة فعالة من أهالي البلدة، وقد تخرج في هذه المدرسة قسم كبيرٌ من أئمة المساجد ومدرسيها ليس في منطقة القلمون فحسب بل وفي البقاع اللبناني المجاور.
وكذلك أسهم القلمون في الثورة السورية ومقاومة الانتداب الفرنسي فوق أرض القلمون نفسه، (موقعة عيون العلق، شمال قارة)، وفي دمشق وغوطتها.
وهكذا ظل القلمون في الطليعة من حيث النشاطات الثقافية والاجتماعية وسواها، وكانت الهجرة الخارجية إلى بلدان العالم المختلفة أحد مظاهر تلك النشاطات التي أفاد منها القلمون فائدة كبيرة، وما إنشاء جامعة القلمون إلا برهان واضح على استمرار ذلك الاندفاع الثقافي والعلمي والذي سينعكس خيراً ليس على القلمون فحسب بل على قطرنا وبعض الأقطار العربية ولاسيما المجاورة.
ديرعطية في الجغرافية والتاريخ
ديرعطية مدينة بمنطقة القلمون، سكانها (نحو 21000) نسمة، في محافظة ريف دمشق، على الطريق الدولية، بين دمشق وحمص، متوسط ارتفاعهما عن سطح البحر (1250)م.
تقع على المنحدر الشمالي الشرقي لهضبة القلمون، يحدها غرباً جبال لبنان الشرقية، وشرقاً جبل ديرعطية. ويلاحظ أن المدينة ألصق بهذا الأخير، وعبره يُنفذ إلى البادية، بينما يُنفذ إلى البقاع اللبناني عبر الجبال الأولى. وإن مرور سيل المجر في شرقي المدينة جعلها جزءاً من حوض العاصي، إذ ينتهي إلى النهر بين الرستن وحماة، كما جعلها تنفتح على المنطقة التدمرية في الشمال الشرقي.
تمثال الأمومة
هذا الموقع جعل من ديرعطية عقدة مواصلات مهمة، بين الغرب والشرق، والشمال والجنوب.
كانت ديرعطية حتى بداية الربع الأخير من القرن العشرين، تعتمد على نهرها الخاص الصغير، شريان حياتها الماضية، إذ كان يجري مسافة عشرة كيلومترات من أسفل حقول النبك، إلى حقول المدينة وبساتينها، مخترقاً أحياءها كقناة جوفية. لكن جفاف المناخ والحفر الجائر للآبار في أعالي حوض المجر أدى إلى نضوب ينبوعه، وأصبح البديل الجزئي والموسمي للنهر مياه الآبار، وماء سد القلمون السطحي، وكلاهما يصبان في قناته التاريخية.
اقترنت بداية تاريخ ديرعطية الحقيقي بالنهضة العمرانية التي عمت بلاد الشام، بعد تحرير القدس على يد صلاح الدين الأيوبي، إذ ظلت ديرعطية حتى أواسط القرن الثالث عشر، إحدى خمس مزارع متجاورة، قبل أن تستقر فيها أسرة أيوبية، على رأسها سيدة تدعى صالحة خاتون، التي كانت على ما يبدو ذات شخصية قوية ومستنيرة، وقد رافقتها حاشية كبيرة، إذ كانت بنت أحد كبار قواد صلاح الدين.
النهضة الأولى
يرجع الفضل لصالحة خاتون كباعثة لنهضة ديرعطية الأولى، إذ استهلت عملها الإصلاحي بتوحيد المزارع أوالضياع الخمس في كيان ديرعطية، ورممت قناة النهر، وجرت مياهه ووزعتها بعمل هندسي رائع، ووضعت نظاماً اثني عشرياً للسقاية، وهو نادر المثال في دقته، ثم انتقلت إلى بناء مساكن للعناصر البشرية التي استقدمتها من مختلف الأنحاء، من فلاحين وحرفيين وذلك لمواجهة متطلبات العمل الزراعي، في أرض هضبية وعرة محجرة، لذا كانت الأولوية للحدادين والنجارين من أجل تأمين الأدوات الزراعية المناسبة للعمل في أرض كهذه، يضاف إليهم البنائون والبياطرة. وأرست فيها هي وذريتها بنية تحتية حيوية، يندر أن توجد في قرية، كالطواحين المائية، والمعاصر، والمساجد وخانٍ، وسوقٍ، وحمامٍ شرقي الطراز، أقيمت كلها على قناة النهر، واختارت موقعاً للقرية فوق أرض صخرية ناهضة لحمايتها من السيول، وكان لها بوابات تغلق ليلاً للحماية وتوفير الأمن. والذي يثير الإعجاب أن تلك البنية المتماسكة ظلت ماثلة للعيان، تؤدي وظيفتها حتى النصف الثاني من القرن العشرين.
النهضة الثانية
كان بدؤها في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، واستمرت حتى ستينات القرن العشرين وكان طابعها ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً، أنشئت فيها مدارس معاصرة لمدارس لبنان لمختلف الإرساليات الأجنبية، معاصرة لمدارس لبنان، كانت تعلم باللغة العربية، وأدخلت تعليم اللغات الأجنبية الخاصة بكل منها، كما أنشئت عام 1898 مدرسة عليا لعلوم اللغة العربية والعلوم الشرعية، على يد شيخ أزهري من أبناء القرية، ووجدت الحركة الصوفية مكاناً لها في القرية. وقد رافق ذلك نشاط الهجرة إلى العالم الجديد، وعلى الأخص إلى أمريكا الجنوبية، وقيام العائدين منهم بالتحديث في القرية، والتوسع العمراني والزراعي، وشهدت القرية تطوراً كبيراً في وسائط النقل الحديثة ونشطت التجارة، وانتشر التعليم الرسمي، وأنيرت القرية بالكهرباء من قبل شركة أهلية محلية عام 1955 وقبل ذلك في الأربعينات من القرن العشرين أقيمت تعاونية زراعية (الأولى في سورية). وفي منتصف القرن أُسست رابطة للمثقفين للنهوض بالقرية، لعبت دوراً كبيراً في التوجيه والإصلاح، برز في مسيرتها إنشاء مدرسة ثانوية للبنات، بالتعاون مع المغتربين في المهجر، قُدّمت إلى وزارة التربية.
النهضة الثالثة
وهي النهضة الحالية التي بدأت منذ عام 1982م، ولاتزال مستمرة(*)، ويمكن القول إنها نوعية، قامت لمواجهة التحديات الناجمة عن جفاف المناخ، ونضوب النهر، شريانها الحيوي، وهي أهم النهضات وأشملها، إذ يصعب حصر ميادينها الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والعمرانية، وخلاصة تلك النهضة أن باكورتها كانت التحريج والتشجير المثمر والرعوي في جبل البلدة ومحيطها وشوارعها، وحفر الآبار العميقة، وإنشاء السدود السطحية، التي مكنت من تحويل مجاري السيول إلى غابات وحدائق، وحدث توسع عمراني كبير، رافقه شق الشوارع الجديدة وتزفيتها وترصيفها وإنارتها وإقامة التماثيل الرمزية في الساحات العامة التي تمجد العمل والأمومة وتستحضر مشاهد مأثورة من الحياة الماضية إضافة إلى توسع كبير في التعليم العام والصناعي والتجاري والشرعي ورياض الأطفال، ولعل أهم مايثير الدهشة في هذه النهضة هو إنشاء مؤسسات خدمية، رفيعة المستوى: مستشفى ومتحف نوعي فولكلوري، ومتحف للنبات، ومشتل زراعي، وقصر الثقافة ومدينة رياضية ومسبحٍ وحمام حديث مكان الحمام القديم، ودار المسنين (انظر المصور) أما المجال الاقتصادي والاجتماعي فحدث فيه تحول كبير، إذ جرى الاعتماد على العمل في أقطار الخليج كمصدر للسيولة النقدية، واقتصر النشاط الزراعي على غرس الأشجار المثمرة وزراعة بعض المزروعات العلفية لتغذية الأبقار والدواجن. أما التجارة وحركة النقل الداخلي والخارجي فطالها التوسع والتحديث والعصرنة، ورافقها عدد من الصناعات الأساسية والحيوية كمواد البناء والألبان وأفران الخبز، وبعض الأدوات الطبية، إضافة إلى مشروع لمعالجة مياه الصرف الصحي، ومنطقة صناعية.
وقد توج كل ما تقدم مؤخراً إنشاء جامعة القلمون الخاصة (المرسوم 293/ عام 2003 )، وثمة مؤشرات تؤكد أنها ستكون بفضل جهود العاملين المخلصين بداية لنهضة رابعة لأجيال جديدة.
* كان منطلقها نداء وجهه ابن ديرعطية البار أبو سليم دعبول، لأهالي بلدته ديرعطية للنهوض والتكاتف للرد على تحديات الجفاف، وقد قاد مسيرة تلك النهضة بكل الإيمان والاندفاع لتحقيق أهدافها المرسومة التي أضحت منجزات راسخة في أديم الأرض منطلقة إلى العلاء، يغمرها البهاء والنقاء.
لا نكاد نجد في سورية منطقة أو إقليماً، صغير المساحة نسبياً وواضح الحدود الطبيعية، احتفظ عبر العصور بطابع تاريخي ثقافي مستمد من بيئته الطبيعية ومن الأحداث التي دارت حوله، مثل المنطقة المسماة "القلمون"
يعرف القلمون تحديداً بأنه الكتلة التضاريسية الناهضة الواقعة بين حوضة دمشق وهضبة حمص، والمؤلفـة من مجموعـة الجبـال والهضـاب والتـلال ذات الاتجاه "جنوب غرب/ شمال شرق" الملاصقة لجبال لبنان الشرقية، من جهة، ولبادية الشام من الجهة المقابلة، لذا فهي تتدرج انخفاضاً بهضابها وسلاسل جبالها من سفوح الجهة الأولى عند مستوى نحو 1700م إلى مستوى نحو 800م في الجهة الثانية، باستثناء بعض القمم التي تبلغ ذروتها في جبل ديرعطية، 1850م فوق سطح البحر.
ومن الجدير ذكره أن جبال لبنان الشرقية تلعب دوراً كبيراً في حياة سكان القلمون فهي بقممها العالية التي تزيد أحياناً عن 2000م، وإن كانت تحجب قسماً من الأمطار عن القلمون، إلا أنها تستقطب من السحب العابرة بالرطوبة الثلوج التي تمدّ القلمون عند ذوبانها في الربيع والصيف بالقسم الأكبر من المياه. كما أنها أدت في الماضي إلى تكوين غابةٍ من الأشجار الصنوبرية وغير الصنوبرية التي كانت مصدراً للاحتطاب من قبل السكان وقد قطع معظمها.
لمنطقة القلمون تاريخ خاص، قام على جغرافيته الخاصة، وهو في جوهره تاريخ ثقافي اجتماعي، فكرياً ومادياً وروحياً، أي أنه لم يكن تاريخ حروب وفتن ومنازعات، وعهود تأتي بسلطة وتذهب بأخرى. بل كان تاريخاً هادئاً، جرت تطوراته ببطء وسلاسة وسلام، وصلات مستمرة بالغير. وهذا مؤشر على الاستمرار وعدم الانقطاع، أو الانقلاب والعودة، وفيه ما فيه من دلالات الصبر والجلد والمثابرة في تحقيق الأهداف والغايات المرسومة.
كان الطابع التاريخي الثقافي الآرامي- السرياني هو المميز قديماً لمنطقة القلمون في مجالات اللغة والتواصل مع الآخرين، وفي مجالات العمران وإقامة القرى وأنماط البناء، وفي فنون استنباط المياه وجرها للري والزراعة، وفي نماذج الصناعات المحلية. ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن العهود التاريخية المختلفة للمنطقة ورثت أشياء كثيرة وثمينة من عصور ما قبل التاريخ في مجالات الثقافة المادية والفكرية، وإن سميت عصوراً حجرية. فإنسان ما قبل التاريخ في محيط يبرود مثلاً أبدع ثقافة حجرية متميزة قبل ثلاثمائة ألف عام، كأدوات ومواد ونماذج. ولا تزال هذه المدينة تفيد من تلك الفترة وما تلاها من عهود تاريخية في مجالات التطوير الصناعي حتى اليوم وكذلك في مجال العمران إذ كانت مثالاً يحتذى في القلمون.
وبعد الفتح العربي الإسلامي وانتشاره السريع لم يدخل الإسلام ومعه اللغة العربية إلى القلمون إلا متأخراً. إذ أن النشاطات والتحركات الكبرى للناس من قوافل وهجرات وجيوش كانت في أغلب الأحوال تتجنب المرور بالقلمون لقساوة شروطه الطبيعية بارتفاع سطحه وكثرة تضاريسه وشدة برودة شتاءه وكثرة منحدرات سيوله، فقد كانت تتجنب تلك الأخطار بعبور الطريقين الرئيسين من حوله، طريق الخانات الشهير شرقاً وطريق البقاع غرباً.
بدأ تعريب القلمون في مطلع القرن الثالث عشر في المناطق المنفتحة على البادية في الشمال والشرق وفي الأجزاء المحاذية للبقاع غرباً، وكانت ديرعطية رائدة في هذا المجال بسبب موقعها الجغرافي المذكور وانفتاحها على المنطقة التدمرية وحوض العاصي عبر وادي المجر وبسبب صلتها بالبقاع عبر وادي الزمراني.
وهكذا ظل القلمون جزيرة مسيحية آرامية- سريانية حتى نهاية فترة الحروب الصليبية، وكان عمادها الثقافي والروحي والاجتماعي، مؤسسات الأديرة العديدة التي أنشئت في المنطقة في العهد البيزنطي، وأضفت على اللغة الآرامية- السريانية صفة القداسة، كلغة عبادة في الأديرة والكنائس، وظلت رواسب تلك اللغة مستمرة في بعض القرى إلى اليوم.
لم توجد في القلمون مدن كبيرة بسبب الواقع الجبلي، بل كانت هناك قرى كبيرة تحولت إلى مدن صغيرة نسبياً بازدياد السكان وتكاثرهم، وأهمها في الجزء الشمالي التابع لحوض العاصي يبرود والنبك وديرعطية وقارة، وفي الجزء الجنوبي من القلمون القطيفة وجيرود حيث تنتهي مجاري مياههما إلى أحواض مغلقة بعضها ممالح.
ويلاحظ أن أهم المراكز البشرية في هذه المنطقة يقع في الهضاب الممتدة بين سلاسل القلمون الثلاث، حيث يمكن أن تظهر الينابيع، والحصول على مياه جوفية ساعد في إقامة نظام للري يعرف بنظام ري الأودية، حيث يمكن أن تظهر المياه الجوفية على سطح الأرض في اتجاه المصب عبر ما يسمى سرابات (جمع سرب) أو فجارات، فتروى بها الأراضي المنخفضة والسفوح المجاورة لها التي أصبحت واحات غنية بالأشجار المثمرة والحبوب، ثم أدخلت عليها زراعة خضار مستحدثة ذات أهمية كالبطاطا.
وفي العصور الحديثة اشتد انفتاح القلمون على ما حوله، في جميع الميادين، وأهمها النقل والمواصلات بين شمال بلاد الشام وجنوبها بسبب موقعه المتوسط. غير أن الميدان الثقافي ظل في المقدمة، فافتتحت المدارس التبشيرية التي كانت عنايتها باللغة العربية تتجاوز كثيراً عناية المدارس العثمانية القليلة العدد بها، إذ كانت تدرس باللغة التركية، وكانت عنايتها باللغة العربية ضعيفة، كما لعب دوراً في ذلك ملاصقة القلمون للبنان، وفترة حكم إبراهيم باشا في سورية في النصف الأول من القرن التاسع عشر.
وأسهم القلمون في النهضة العلمية واليقظة القومية في العهد العثماني، وكانت بعض شخصياته على صلة بعبد الحميد الزهراوي، رائد تلك اليقظة. وفي ديرعطية نفسها احتفل منذ بضع سنوات (1998م) بمرور مائة عام على تأسيس مدرسة الشيخ عبد القادر القصاب، الأستاذ الأزهري، الذي عاد إلى بلدته ديرعطية خصيصاً لإنشاء مدرسة جامعية المنهج على النمط الأزهري، ولقي مساعدة فعالة من أهالي البلدة، وقد تخرج في هذه المدرسة قسم كبيرٌ من أئمة المساجد ومدرسيها ليس في منطقة القلمون فحسب بل وفي البقاع اللبناني المجاور.
وكذلك أسهم القلمون في الثورة السورية ومقاومة الانتداب الفرنسي فوق أرض القلمون نفسه، (موقعة عيون العلق، شمال قارة)، وفي دمشق وغوطتها.
وهكذا ظل القلمون في الطليعة من حيث النشاطات الثقافية والاجتماعية وسواها، وكانت الهجرة الخارجية إلى بلدان العالم المختلفة أحد مظاهر تلك النشاطات التي أفاد منها القلمون فائدة كبيرة، وما إنشاء جامعة القلمون إلا برهان واضح على استمرار ذلك الاندفاع الثقافي والعلمي والذي سينعكس خيراً ليس على القلمون فحسب بل على قطرنا وبعض الأقطار العربية ولاسيما المجاورة.
ديرعطية في الجغرافية والتاريخ
ديرعطية مدينة بمنطقة القلمون، سكانها (نحو 21000) نسمة، في محافظة ريف دمشق، على الطريق الدولية، بين دمشق وحمص، متوسط ارتفاعهما عن سطح البحر (1250)م.
تقع على المنحدر الشمالي الشرقي لهضبة القلمون، يحدها غرباً جبال لبنان الشرقية، وشرقاً جبل ديرعطية. ويلاحظ أن المدينة ألصق بهذا الأخير، وعبره يُنفذ إلى البادية، بينما يُنفذ إلى البقاع اللبناني عبر الجبال الأولى. وإن مرور سيل المجر في شرقي المدينة جعلها جزءاً من حوض العاصي، إذ ينتهي إلى النهر بين الرستن وحماة، كما جعلها تنفتح على المنطقة التدمرية في الشمال الشرقي.
تمثال الأمومة
هذا الموقع جعل من ديرعطية عقدة مواصلات مهمة، بين الغرب والشرق، والشمال والجنوب.
كانت ديرعطية حتى بداية الربع الأخير من القرن العشرين، تعتمد على نهرها الخاص الصغير، شريان حياتها الماضية، إذ كان يجري مسافة عشرة كيلومترات من أسفل حقول النبك، إلى حقول المدينة وبساتينها، مخترقاً أحياءها كقناة جوفية. لكن جفاف المناخ والحفر الجائر للآبار في أعالي حوض المجر أدى إلى نضوب ينبوعه، وأصبح البديل الجزئي والموسمي للنهر مياه الآبار، وماء سد القلمون السطحي، وكلاهما يصبان في قناته التاريخية.
اقترنت بداية تاريخ ديرعطية الحقيقي بالنهضة العمرانية التي عمت بلاد الشام، بعد تحرير القدس على يد صلاح الدين الأيوبي، إذ ظلت ديرعطية حتى أواسط القرن الثالث عشر، إحدى خمس مزارع متجاورة، قبل أن تستقر فيها أسرة أيوبية، على رأسها سيدة تدعى صالحة خاتون، التي كانت على ما يبدو ذات شخصية قوية ومستنيرة، وقد رافقتها حاشية كبيرة، إذ كانت بنت أحد كبار قواد صلاح الدين.
النهضة الأولى
يرجع الفضل لصالحة خاتون كباعثة لنهضة ديرعطية الأولى، إذ استهلت عملها الإصلاحي بتوحيد المزارع أوالضياع الخمس في كيان ديرعطية، ورممت قناة النهر، وجرت مياهه ووزعتها بعمل هندسي رائع، ووضعت نظاماً اثني عشرياً للسقاية، وهو نادر المثال في دقته، ثم انتقلت إلى بناء مساكن للعناصر البشرية التي استقدمتها من مختلف الأنحاء، من فلاحين وحرفيين وذلك لمواجهة متطلبات العمل الزراعي، في أرض هضبية وعرة محجرة، لذا كانت الأولوية للحدادين والنجارين من أجل تأمين الأدوات الزراعية المناسبة للعمل في أرض كهذه، يضاف إليهم البنائون والبياطرة. وأرست فيها هي وذريتها بنية تحتية حيوية، يندر أن توجد في قرية، كالطواحين المائية، والمعاصر، والمساجد وخانٍ، وسوقٍ، وحمامٍ شرقي الطراز، أقيمت كلها على قناة النهر، واختارت موقعاً للقرية فوق أرض صخرية ناهضة لحمايتها من السيول، وكان لها بوابات تغلق ليلاً للحماية وتوفير الأمن. والذي يثير الإعجاب أن تلك البنية المتماسكة ظلت ماثلة للعيان، تؤدي وظيفتها حتى النصف الثاني من القرن العشرين.
النهضة الثانية
كان بدؤها في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، واستمرت حتى ستينات القرن العشرين وكان طابعها ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً، أنشئت فيها مدارس معاصرة لمدارس لبنان لمختلف الإرساليات الأجنبية، معاصرة لمدارس لبنان، كانت تعلم باللغة العربية، وأدخلت تعليم اللغات الأجنبية الخاصة بكل منها، كما أنشئت عام 1898 مدرسة عليا لعلوم اللغة العربية والعلوم الشرعية، على يد شيخ أزهري من أبناء القرية، ووجدت الحركة الصوفية مكاناً لها في القرية. وقد رافق ذلك نشاط الهجرة إلى العالم الجديد، وعلى الأخص إلى أمريكا الجنوبية، وقيام العائدين منهم بالتحديث في القرية، والتوسع العمراني والزراعي، وشهدت القرية تطوراً كبيراً في وسائط النقل الحديثة ونشطت التجارة، وانتشر التعليم الرسمي، وأنيرت القرية بالكهرباء من قبل شركة أهلية محلية عام 1955 وقبل ذلك في الأربعينات من القرن العشرين أقيمت تعاونية زراعية (الأولى في سورية). وفي منتصف القرن أُسست رابطة للمثقفين للنهوض بالقرية، لعبت دوراً كبيراً في التوجيه والإصلاح، برز في مسيرتها إنشاء مدرسة ثانوية للبنات، بالتعاون مع المغتربين في المهجر، قُدّمت إلى وزارة التربية.
النهضة الثالثة
وهي النهضة الحالية التي بدأت منذ عام 1982م، ولاتزال مستمرة(*)، ويمكن القول إنها نوعية، قامت لمواجهة التحديات الناجمة عن جفاف المناخ، ونضوب النهر، شريانها الحيوي، وهي أهم النهضات وأشملها، إذ يصعب حصر ميادينها الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والعمرانية، وخلاصة تلك النهضة أن باكورتها كانت التحريج والتشجير المثمر والرعوي في جبل البلدة ومحيطها وشوارعها، وحفر الآبار العميقة، وإنشاء السدود السطحية، التي مكنت من تحويل مجاري السيول إلى غابات وحدائق، وحدث توسع عمراني كبير، رافقه شق الشوارع الجديدة وتزفيتها وترصيفها وإنارتها وإقامة التماثيل الرمزية في الساحات العامة التي تمجد العمل والأمومة وتستحضر مشاهد مأثورة من الحياة الماضية إضافة إلى توسع كبير في التعليم العام والصناعي والتجاري والشرعي ورياض الأطفال، ولعل أهم مايثير الدهشة في هذه النهضة هو إنشاء مؤسسات خدمية، رفيعة المستوى: مستشفى ومتحف نوعي فولكلوري، ومتحف للنبات، ومشتل زراعي، وقصر الثقافة ومدينة رياضية ومسبحٍ وحمام حديث مكان الحمام القديم، ودار المسنين (انظر المصور) أما المجال الاقتصادي والاجتماعي فحدث فيه تحول كبير، إذ جرى الاعتماد على العمل في أقطار الخليج كمصدر للسيولة النقدية، واقتصر النشاط الزراعي على غرس الأشجار المثمرة وزراعة بعض المزروعات العلفية لتغذية الأبقار والدواجن. أما التجارة وحركة النقل الداخلي والخارجي فطالها التوسع والتحديث والعصرنة، ورافقها عدد من الصناعات الأساسية والحيوية كمواد البناء والألبان وأفران الخبز، وبعض الأدوات الطبية، إضافة إلى مشروع لمعالجة مياه الصرف الصحي، ومنطقة صناعية.
وقد توج كل ما تقدم مؤخراً إنشاء جامعة القلمون الخاصة (المرسوم 293/ عام 2003 )، وثمة مؤشرات تؤكد أنها ستكون بفضل جهود العاملين المخلصين بداية لنهضة رابعة لأجيال جديدة.
* كان منطلقها نداء وجهه ابن ديرعطية البار أبو سليم دعبول، لأهالي بلدته ديرعطية للنهوض والتكاتف للرد على تحديات الجفاف، وقد قاد مسيرة تلك النهضة بكل الإيمان والاندفاع لتحقيق أهدافها المرسومة التي أضحت منجزات راسخة في أديم الأرض منطلقة إلى العلاء، يغمرها البهاء والنقاء.